ابن قيم الجوزية

271

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

ورحمته وفضله فإذا أشهد سبحانه ملائكته وخلقه كلهم حكمه العدل وحكمته الباهرة ووضعه العقوبة حيث تشهد العقول والفطر والخليقة أنه أولى المواضع وأحقها بها وأن ذلك من كمال حمده الذي هو مقتضى أسمائه وصفاته وأن هذه النفوس الخبيثة الظالمة الفاجرة لا يليق بها غير ذلك ، ولا يحسن بها سواه ، بحيث تعترف هي من ذواتها بأنها أهل ذلك ، وأنها أولى به حصلت الحكمة التي لأجلها وجد الشر وموجباته في هذه الدار وتلك الدار * وليس في الحكمة الإلهية أن الشرور تبقى دائما لا نهاية لها ولا انقطاع أبدا فتكون هي والخيرات في ذلك على حد سواء ، فهذا نهاية أقدام الفريقين في هذه المسألة ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب ، فإن قيل فإلى أين انهي قدمكم في هذه المسألة العظيمة الشأن : التي هي أكبر من الدنيا بأضعاف مضاعفة ؟ قيل إلى قوله تبارك وتعالى : إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ وإلى هنا انتهى قدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه فيها حيث ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء وقال ثم يفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء ، بل وإلى هاهنا انتهت أقدام الخلائق وما ذكرنا في هذه المسألة بل في الكتاب كله من صواب فمن اللّه سبحانه وهو المانّ له وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان واللّه ورسوله بريء منه وهو عند لسان كل قائل وقلبه وقصده واللّه أعلم . الباب الثامن والستون في ذكر آخر أهل الجنة دخولا إليها في الصحيحين من حديث منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا الجنة رجل يخرج من النار حبوا فيقول اللّه له اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملآي فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملآي فيقول اللّه له اذهب فادخل الجنة قال فيأتيها فيخيل إليه أنها ملآي فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملآي فيقول اللّه له اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها : أو إن لك عشرة أمثال الدنيا ، قال فيقول أتسخر بي وتضحك بي وأنت الملك قال لقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه قال فكان يقول ذلك أدنى أهل الجنة منزلة »